العودة إلى جميع المقالات البدع

المحبّةُ في الاتّباع لا في الاحتفال

يتفق المؤيدون للمولد والمعارضون له على أن القرون المفضلة لم تعرف هذا الاحتفال. يبيّن الشيخ د. أبو إسماعيل أن محبة النبي ﷺ لا تثبت بيوم واحد في العام، وإنما بلزوم سنته في كل يوم.

Een zuilengang van een moskee bij zonsopgang, met een kompas op de stenen vloer

يتفق المؤيدون للاحتفال بالمولد النبوي والمعارضون له على أن هذا الاحتفال لم يكن معروفًا في عهد النبي ﷺ، ولا في عهد أصحابه، ولا في القرون الثلاثة المفضلة، ومن المعلوم أن منهج تلك القرون هو الميزان الذي تُوزن به أعمال من جاء بعدهم، لما ثبت من ثناء الله ورسوله ﷺ عليهم. فإذا ادُّعي وجود خلاف في مسألة ما، وكان على المرء أن يختار بين سبيل السلف الأولين وسبيل من جاء بعدهم، فإن سبيل السلف لا يكون أولى بالتقديم فحسب، بل يتعين اتباعه ولزومه.

ويحاول بعض الناس تسويغ الاحتفال بالمولد بحجة أنه يذكّر بمكانة النبي ﷺ وعظيم قدره، غير أن الواقع كثيرًا ما يكشف عن خلاف ذلك، إذ قد يتحول إحداث مثل هذه الاحتفالات إلى ذريعة يتكئ عليها من قلَّ اهتمامه بسيرة النبي ﷺ وسنته طوال العام، أو في أكثر أيامه، بل ربما خالف هديه في جوانب متعددة من حياته.

فبإقامة احتفال واحد في العام، يشعر بعضهم أنه قد أقام بذلك البرهان على محبته للنبي ﷺ، وكأن هذا الاحتفال السنوي يمحو ما كان من تقصير وابتعاد عن سنته خلال بقية العام، فيطمئن المرء إلى حاله، ويقول للناس بلسان مقاله أو حاله: «انظروا إليَّ، إنني أحتفل بمولد النبي ﷺ».

غير أن المحبة الصادقة للنبي ﷺ لا يثبتها موقف عابر، ولا اجتماع يُعقد مرة واحدة في السنة، وإنما يثبتها لزوم هديه واتباع سنته مدى الحياة. ومن هنا يبرز سؤال واضح: أيُّ الرجلين أقرب إلى منهج النبي ﷺ؟ أمَن يترك هذا الاحتفال المحدث ويلتزم هديه، أم من يحتفل به فيخالف بذلك طريقته؟ وهل يستوي من تمسّك بسبيل النبي ﷺ ومن عدل عنه؟

لم يحتفل النبي ﷺ بيوم مولده، ولم يدعُ أتباعه إلى الاحتفال به. وفي ذلك دلالة على أنه لم يُبعث ليجعل شخصه محورًا تدور حوله الأمة، وإنما بُعث ليكون الوحي الذي أرسله الله به هو محور حياتها. فلم يأمرنا ﷺ بالاحتفال بيوم مولده، وإنما أمرنا باتباعه. ولم يُرِد لسنته أن تُختزل في ذكرى سنوية عابرة، بل أراد لنا أن نتمسك بها ونحيا على هديها في كل يوم من أيام حياتنا.

ولا يقال إن الأمرين لا يتعارضان، فإن هذا القول غير صحيح، فالفرق بينهما ظاهر: فأحدهما من هدي النبي ﷺ، لأنه فعله وعلّمه، وترك أصحابه عليه، والآخر ليس من هديه، لأنه لم يفعله، ولم يحث أمته عليه.

فما جاءنا عن النبي ﷺ أخذنا به، وما لم يكن من هديه تركناه. ذلك أن صدق محبتنا له لا يكون بإضافة شيء إلى طريقته، وإنما بلزوم الطريق الذي دلّنا عليه، والتمسك التام بهديه وسنته.